فخر الدين الرازي

33

النبوات وما يتعلق بها

جاء ليبشرهم بقرب وقوع الخبر ، وهذا الخبر هو الوعد الّذي وعدهم اللّه به ، وهو ظهور نبي من بعد موسى يكلمهم بكل وصايا اللّه لهم . فقد قال لهم موسى على لسان اللّه تعالى : « يقيم لك الرب إلهك نبيا من وسطك من إخوتك . مثلي له تسمعون » [ تثنية 18 : 15 الخ ] وجاء عيسى - عليه السلام - ليبشر بهذا النبي العظيم . فقد قال مرقس في الأصحاح الأول من إنجيله : « جاء يسوع يكرز ببشارة ملكوت اللّه ويقول : قد كمل الزمان واقترب ملكوت اللّه فتوبوا . وآمنوا بالإنجيل » [ مر 1 : 14 : - 15 ] . والأناجيل الأربعة كلها تتحدث عن حياة المسيح ، وخطبه ومواعظه ، وتبشيره ، ونهاية حياته على الأرض . وليس فيها من الأحكام شيء . بولس اليهودي حرف الشريعة اليهودية وحرف أقوال يسوع المسيح : وبعد ما بينا أن المسيح - عليه السلام - قد رفع إلى السماء ، ولم يترك أحكاما لأتباعه غير أحكام التوراة . نبين أن النصارى من بعده قد نادوا بإلغاء أحكام التوراة ، وصرحوا بأن لا فائدة من الأعمال ، فالايمان بالمسيح إلها مصلوبا عن خطايا الناس ، كاف في دخول الجنة . يقول « بولس » : « فإذ قلنا سار لنا الدخول إلى هذه النعمة التي نحن فيها مقيمون . . . الخ » [ رومية 5 : 1 - 2 ] . « الدعوة التي دعى فيها كل واحد فليلبث فيها » : ثم وضح لهم بولس الأحكام والقوانين على النحو التالي : أولا : أي انسان يدخل النصرانية . لا يجبره أحد على تغيير عاداته وتقاليده التي نشأ عليها ، حتى ولو كانت عادات وثنية وجاهلية . يقول بولس : « الدعوة التي دعى فيها كل واحد ، فليلبث فيها » أي أن اليهود إذا قبلوا النصرانية يعملون بأحكام موسى . وأن الرومان إذا قبلوا النصرانية يعملون بقوانين بلادهم ، يقول بولس : « هكذا أنا آمر في جميع الكنائس : دعى أحد وهو مختون فلا يصر أغلف . دعى أحد في الغرلة فلا يختتن . ليس الختان شيئا ، وليست الغرلة شيئا ، بل حفظ وصايا اللّه . الدعوة التي دعى فيها كل واحد ، فليلبث فيها » [ كورنثوس 7 : 17 - 20 ] وواضح في هذا النص : أن بولس يأمر ويشرع ويوصى ، وليس المسيح . وأنه بأمره وشرعه ووصيته . يغير حكما من أحكام التوراة وهو « ختان المولود في اليوم الثامن » فقد جاء ( 3 - النبوات )